أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
211
التوحيد
وقال تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها [ الإسراء : 16 ] ، أخبر أنه يريد إهلاك قوم وقرية بفسق أهلها قبل أن يكون منهم الفسق ، فلو لم يرد كون الفسق منهم كما علم أن يكون ، ولكن أراد أن تكون الطاعة ويهلكهم ، كان يكون ذلك جورا ، فثبت أنه أراد الذي كان منهم أو علم ذلك . وقال نوح لقومه : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [ هود : 34 ] ، وقلت : لا يريد ذلك ، وصرفت كلام نوح إلى ما لا يحتمله وهم البشر ، وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ [ يونس : 88 ] ، وأنتم تقولون لم يؤتهم لذلك ولكن آتهم ليهتدوا . وقال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ [ المائدة : 41 ] ، وأنتم تقولون : بل أراد اللّه ذلك وقال : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ [ المائدة : 41 ] ، وأنتم تقولون : لم يردها ، أو تقولون هذه محنة . وأنى كان رسول اللّه يريد أو يتمنى أن لا يكون حتى يقال له : فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [ المائدة : 41 ] . وقال اللّه تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ [ آل عمران : 178 ] . وقال تعالى : وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ [ التوبة : 85 ] ، أخبر ما يريد بهم بما أعطى ، وهم يقولون : لا يريد . فما يقال لأمثال هؤلاء إلا ما قيل لليهود والنصارى : أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [ البقرة : 140 ] . وقال اللّه جل ثناؤه : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ هود : 119 ] ، فنقول لهم : أراد اللّه عز وجل أن يفي بما وعد هذا ، أو أراد أن يكذب وعده ويبطل وعيده . فإن قالوا بالثاني أعظموا القول ووصفوه بإرادة السفه والكذب ، وكفى بهذا القول خزيا ، وإن قالوا : أراد أن يفي به قيل : أراد أن يفي به ، وهو يريد أن يطيعوه ، فيفي وهم يطيعون له أو يعصون . فإن قال بالأول فهو جور أراد ؛ لأن فعله جور ، فإرادة كونه إرادة فعل الجور أن يكون له فعلا . وقال اللّه تعالى : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [ غافر : 31 ] ، وإن قال بالثاني أذعنوا للحق ، وقالوا بالعدل ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال اللّه تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ [ آل عمران : 176 ] ، ومن أراد أن يكون منه كل خير فقد أراد له الحظ في الآخرة . وقال تعالى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [ الأنفال : 67 ] ، وقال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [ النساء : 28 ] ، فأراد للمؤمنين هذا فكان ذلك ، وللكافرين الأول فكان ذلك ، ولا يجوز أن يريد الأول وهم مطيعون ، ثبت أنه أراد أن يكون منهم ما قد كان ، وباللّه العصمة والنجاة . وقال اللّه تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ التكوير : 29 ] ، فإذا كانوا لا